القمح عالق بين برد الشتاء وثقل المعروض: لماذا لا ترتفع الأسعار رغم المخاطر؟

القمح عالق بين برد الشتاء وثقل المعروض: لماذا لا ترتفع الأسعار رغم المخاطر؟

رغم تصاعد الحديث عن موجات برد قاسية في أوكرانيا والولايات المتحدة، ظل سوق القمح محدود الحركة؛ إذ طغت وفرة المعروض وضعف وتيرة الصادرات على “علاوة الطقس”. في أوروبا، بقي عقد مارس في بورصة باريس (Matif) حول €189–€190/طن دون تغيير يُذكر، بينما تراجع قمح شيكاغو بشكل طفيف. في الخلفية، تضغط قوة اليورو نسبيًا مقابل الدولار على تنافسية القمح الأوروبي، في حين تستفيد دول الاستيراد من شدة المنافسة العالمية عبر صفقات بأسعار منخفضة نسبيًا شامل الشحن.

لقطة أسعار وعقود رئيسية

  • قمح ماتيف (مارس): إغلاق دون تغيير عند €189.50/طن (22 يناير)؛ وإغلاق €189.25/طن (21 يناير).
  • قمح شيكاغو (مارس): تراجع طفيف إلى $5.07¾/بوشل (22 يناير)، مع جلسات ضعيفة بعد عطلة السوق.
  • الذرة (CBoT): $4.21¾/بوشل (22 يناير) بانخفاض محدود.
  • فول الصويا (CBoT): ارتفاع إلى $10.64½/بوشل (22 يناير).

أولًا: الطقس حاضر… لكن السوق لا يدفع “علاوة برد” كبيرة

أوكرانيا: قشرة جليد وحرارة حتى -18°م

حذّر اتحاد المزارعين الأوكراني (UAC) من أن قشرة جليدية مصحوبة بأمطار متجمدة وثلوج رطبة ودرجات حرارة منخفضة جدًا في الشرق والجنوب والوسط قد تسببت في أضرار محتملة للقمح الشتوي وبذور اللفت (الكانولا). الخطر الأكبر يتمثل في بقاء طبقة جليد سميكة لأسابيع فوق النباتات، ما يرفع احتمال الاختناق أو التلف الجزئي. لكن حجم الضرر سيظل غير محسوم حتى تتضح حالة الحقول خلال الأسابيع المقبلة.

الولايات المتحدة: برد قوي يسبقه ثلج… والثلج “يحمي” جزئيًا

نماذج الطقس تشير إلى جبهة باردة مع ثلوج مسبقة قد تخفف من خطر “القتل الشتوي” في القمح، لأن الغطاء الثلجي يعمل كعازل. لذلك، يركز المتعاملون أكثر على رطوبة الثلج كعنصر داعم للتربة مقارنةً بخطر الصقيع—مع الإقرار بإمكانية حدوث أضرار موضعية خصوصًا مع الرياح المصاحبة.

خلاصة الطقس: المخاطر موجودة، لكنها غير مؤكدة بعد، والأسواق عادةً لا تسعّر بقوة إلا عند ظهور مؤشرات ميدانية واضحة (تراجع كثافة الغطاء الثلجي، تمدد موجة البرد، أو تقارير تلف مؤكدة).


ثانيًا: الصادرات والطلب… عامل الضغط الأكبر

الاتحاد الأوروبي: وتيرة تصدير أبطأ

بلغت صادرات القمح في الاتحاد الأوروبي نحو 11.83 مليون طن حتى 15 يناير وفق أرقام المفوضية الأوروبية، أي أقل بنحو 2% مقارنةً بالموسم السابق. هذا “التأخر النسبي” يقلل من قدرة الأسعار على الارتداد صعودًا رغم أخبار الطقس.

قوة اليورو تقضم تنافسية أوروبا

استقرار اليورو قرب $1.17 يجعل القمح الأوروبي أقل جاذبية سعريًا مقارنةً بمورّدين آخرين، وهو ما يظهر في صعوبة دفع الصادرات الأوروبية للأمام.

مشترو العالم يستفيدون من وفرة المعروض

اشترت الجزائر والسعودية مجتمعَتَين قرابة 1.6 مليون طن بأسعار تقارب €255/طن شامل الشحن—مستوى يعكس منافسة شديدة بين المورّدين ووفرة في الإتاحة العالمية.


ثالثًا: روسيا—التحدي ليس الإنتاج فقط بل “شكل” الصادرات

تواجه روسيا أيضًا وتيرة تصدير لا تبدو منسجمة مع أهداف الكرملين لرفع صادرات المنتجات الزراعية بنحو 50% بحلول 2030. وفي سياق مرتبط بإستراتيجية النفوذ التجاري، طرحت وزيرة الزراعة الروسية أوكسـانا لوت فكرة أن التوسع في التصنيع الغذائي محليًا (بدعم حكومي) بات ضروريًا، لأن “تقديم المواد الخام وحده” قد لا يكفي لبناء شراكات طويلة الأجل.
قراءة سوقية: أي تحول من تصدير خام إلى تصدير منتجات مُصنّعة قد يغيّر تركيبة التدفقات التجارية وهوامش التسعير على المدى المتوسط، لكنه لا يقدم دعمًا فوريًا لأسعار القمح الآنية.


رابعًا: فول الصويا—هدوء سياسي نسبي يدعم المزاج

على عكس القمح، تلقى فول الصويا دعمًا من عاملين:

  • أمطار في البرازيل عطّلت بدء الحصاد مؤقتًا.
  • تقارير تشير إلى أن الصين اشترت 12 مليون طن من فول الصويا الأميركي ضمن تفاهمات تجارية، ما خفف مخاوف توقف الطلب رغم التوترات السياسية (فنزويلا/غرينلاند).

منحنى العقود: أين تُسعّر السوق المخاطر؟

  • العقود القريبة (مارس/مايو): عالقة حول €190/طن تقريبًا في باريس، دون زخم.
  • محصول 2026: تسعير محدود أعلى قليلًا (نحو €195/طن).
  • ديسمبر 2026: يتجاوز €200/طن (حوالي €201.50/طن) ما يوحي بأن السوق يضع علاوة زمنية/مخاطر أكبر على المدى الأبعد مقارنةً بالقصير.

ماذا يعني ذلك للمستوردين والتجار ومديري المخاطر؟

  1. القمح الآن سوق “معروض أولًا”: أي صعود مستدام يحتاج إما إلى صدمة إنتاج مؤكدة (أوكرانيا/كازاخستان/روسيا) أو تحسن واضح في وتيرة الصادرات.
  2. فرص الشراء تتحسن للمستوردين: المنافسة القوية عالميًا تمنح المشترين قدرة تفاوضية أكبر، خصوصًا مع أسعار منخفضة نسبيًا شامل الشحن.
  3. راقبوا العملة: تحركات اليورو/الدولار قد تكون حاسمة لتنافسية القمح الأوروبي خلال الأسابيع المقبلة.
  4. الطقس “عامل محفّز” لا “محرك رئيسي” حتى الآن: إذا ظهرت تقارير تلف واسعة أو تراجع الغطاء الثلجي مع استمرار البرد، قد تعود علاوة الطقس سريعًا.

    اترك تعليقاً

    تعليقات

    لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *